شعائر الله

كتبت هذه المقالة في شهر رمضان عام 1436 الموافق يونيو 2015 (منذ 5 سنوات بالضبط)، وكنت وقتها في رحلة صيفية إلى الشمال التركي، وقد نشرتها في حينها على بعض منصات التواصل الاجتماعي، ولاقت انتشاراً وقبولاً لا بأس بهما بفضل الله تعالى، وقد آثرت أن أعيد نشرها في المدونة حتى تسهل مشاركتها والرجوع إليها.


البارحة دخلت الجامع الكبير في البلدة التركية التي أزورها (تحديداً أوزنجول) لأصلي العشاء والتروايح فرأيت المصلين كباراً وصغاراً يقومون للصلاة في هدوء وخشوع، معظمهم من أهل البلد وفيهم قلة من الزوار مثلي.. انتظمت الصفوف ثم كبر الإمام فكبر المصلون وراءه.

كان الإمام يقرأ القرآن بصوت نديّ والسكينة ظاهرة على المصلين لا تكاد تلحظ منهم حركة أو صوتاً فضلاً عن أن تسمع رنين جوال.

فجأة –والإمام يكبر للركوع– تدخل مجموعة من أبناء بلدي ولهم جلبة يريدون اللحاق بالركعة، يقفون بالصف بجانبي.. وكأنني أرى السكينة التي كانت تعمّ الجامع تتخلخل! لهاث من أثر الهرولة في المسجد، طقطقة بالأصابع لا تكاد تنقطع من الذي بجانبي والذي بجانبه، وحركات كثيرة تشغل المصلين وتقضي على البقية الباقية من السكون والخشوع.

وكأنني بالمصلين من أهل البلد يقولون بلسان حالهم: أهكذا يصلي أهل مكة والمدينة؟! أغلبهم لا يعرفون من بلادنا إلا مكة والمدينة.. فلا أدري أي صورة تلك التي ننقلها إلى غيرنا من تصرفاتنا وسلوكنا في أجَلِّ العبادات (الصلاة) وفي أشرف البقاع (بيوت الله)!

ليت الأمر اقتصر على هذا ولكن بعد أن فرغنا من صلاة العشاء قام أغلب من صلى معنا من أولئك الشباب وتوزعوا في أركان المسجد وأعمدته وكأنهم قد انتهوا من أعمال شاقة. وبدأ بعضهم يتحدث إلى بعض.. بل إن أحدهم أمسك بإحدى المسابح وأخذ يلعب بها مصدراً تشويشاً مستمراً، كل هذا والإمام يرتل القرآن!

نحن كثيراً ما ننتقد المسلمين في بعض الدول بأن لديهم من البدع والمحدثات في الدين ما عندهم ولكننا نغفل عن الأخطاء التي لدينا ومن أعظمها: التقصير في تعظيم شعائر الدين وتعليمه أولادنا.

﴿ذلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِن تَقوَى القُلوبِ﴾ [الحج: 32]

يحدث هذا التقصير حينما تكون الصلاة مجرد واجب لا بدّ من القيام به تقليداً واعتياداً لا عبادة تقرب العبد من ربه عز وجل وتهذّب أخلاقه وتنهاه -كما أرادها الله تعالى- عن الفحشاء والمنكر. ونحن نقصر كثيراً حينما نغض الطرف عن مثل هذه التصرفات أو نُفْرط في القسوة.. لا هذا ولا ذاك فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

على من يرى مثل هذه التصرفات أن يبادر بالكلام الطيب والمناقشة الهادئة والتذكير بحرمة شعيرة الصلاة وبحرمة بيوت الله.. وشبابنا أقرب إلى الفطرة السليمة وإلى قبول الحق.

بندر الحمدان
أوزنجول، تركيا
7 رمضان 1436 الموافق 24 يونيو 2015

أضف تعليق